بعد اضطرار الناس للبقاء بالمنزل حديثًا، زاد الاهتمام بالتدريبات عن بُعد بالمجالات المختلفة، وبدأ الكثير بمشاركة روابط من هنا وهناك عن دورات متاحة بشكل مجاني لفترة محدودة.
وددت مشاركة بعض ما لاحظته على المحتوى المقدّم عبر الوسائل المختلفة سواء مقاطع يوتيوب أو عبر المنصات المخصصة للتدريبات.
“أركز في كلامي على أكثر المواضيع التي اطلعت عليها والتي تخصّ البرمجة، والذكاء الصنعي.”
إيهام الصحراء
فضلت أن أبدأ بالحديث عن هذا النوع من المحتوى المنتشر بشدّة، نظرًا لما أستشعر من خطره.
في هذا النوع من المحتوى، يشعر المتلقّي بأنّ ما يتعلمه غاية في التعقيد والصعوبة، وأنّ المقدم خبير ويفهم الموضوع بعمق. وبعد متابعة بعض المقاطع يشعر المتدرب غالبًا بالإحباط، وهنا تكمن مصيبة هذا النوع من المحتوى.
لكن الواقع غالبًا ما يكون عكس ذلك تمامًا. يكمن الخلل في طريقة تقديم المحتوى التي يهدف بها المقدّم أن يبدو خبيرًا. وما يزيد الطين بلة، أنّ معلومات المدرب غالبًا ما تكون سطحية جدًا وكلّ ما يقوم به هو قراءة بعض المواضيع، أو استخدام كودات برمجية لأشخاص آخرين، أو حتى استنساخ تدريبات نشرت بلغات أخرى. ليقوم بتحضيرها بشكل سريع وإلقائها بالطريقة التي يريدها، مستفيدًا من كون هذه المقاطع مسجلة ولن يواجه بها أيّة استفسارات من المتلقّين قد تحرجه أو تكشف سطيحة معلوماته.
أذكر جيدًا أحد الشخصيات المشهورة جدًا على يوتيوب، يقدم شروحات خاصة بالذكاء الصنعي والتعلّم العميق Deep learning. أبلغني أحد الأصدقاء أنّه بعد متابعته شعر بإحباط شديد ويجد نفسه ضعيفًا ولا يفهم هذا العلم الصعب، مع أنّه سابقًا كان قد أنهى برنامجًا تعليميًا كاملًا يقدم محتوى علميًا. جرت الأيام لتكشف حقيقية ما يقدمه والذي لم يكن أكثر من استخدام الكودات البرمجية من Github وإلقائها على أنها عمله ويقوم به ببساطة بالغة.
خطورة هذا النوع من المحتوى مركزة على المبتدئين بتعلم موضوع جديد، كونهم غير قادرين على تقييم جودة هذا المحتوى. فالكثير من هذه الدورات التدريبية تكون ذات عناوين برّاقة وأسلوب إلقائيّ جذّاب توهم المتلقي أنّه وجد ضالته، لتلقي به محبطًا متخبطًا يقلّب أولوياته من جديد.
بعد امتلاك الشخص لمعلومات كافية بالموضوع، سيتمكن بسهولة من تقييم هكذا نوع من المحتوى وسيندم على ما هدره من وقت فيما تابعه.
هنا نستخلص درسًا مستفادًا، وهو الاستفادة من تجارب الآخرين لتقييم جودة المحتوى وما يوصون به للبداية بتعلم هذا الموضوع. مع تجنب أخذ نصح من لا معلومات كافية لديهم بالموضوع، لاحتمال كونهم من المبتدئين الذين جذبهم إيهام هذه الصحراء واعتقدوا أن تلك هي بركة ماء أسفل شجرة نخيل!
التسويق
أحد الأنواع الأخرى التي من المؤكد أنك صادفتها، هو المحتوى الذي يقدمه غالبًا شخص ذو خبرة جيدة في مجاله. ما تحصل عليه بالنهاية غالبًا هو عدد كبير جدًّا من الدورات التدريبية التي ينشرها. تشعر بها -مثل النوع السابق- بأن المدرب خبير وأنه على معرفة بكل هذه المواضيع التي يقدمها.
لكن بمعظم الأحيان تكون هذه الدورات التدريبية المختلفة قصيرة ومحتواها لا يغطي سوى البدائيات بشكل سريع وغير مركز.
أذكر منذ بضع سنوات وأنا أبحث عبر يوتيوب عن إطار عمل Spring لأصادف دورة تعليمية عربية! لأُصدم أن الدورة غير منظمة وبها الكثير من الأخطاء التي يواجهها المُلقِي والتي يفترض بها أن تكون أساسيات! يبدو أنه كان يقوم بالإطلاع على إطار العمل بشكل سريع ويقوم بتسجيل مقاطع يفترض بها أن تكون تعليمية.
هذا النوع غالبًا يهدف إلى الكم مهما كانت الجودة. وهذا ما صادفته كثيرًا بالمحتوى المرئي العربي.
كلما واجهت محتوى مشابهًا لهذا النوع، كلما زادت قناعتي أن الهدف تسويقي بحت. لا مبرر لهذا الكم الكبير من التدريبات ذات الجودة المنخفضة سوى السعي لانتشار أوسع!
التدريبات المميزة
ذهلت عند حضوري لمقاطع دورة تدريبية عن إطار عمل Reactjs التي قدّمها Andrew Mead. كانت الجهود المبذولة على تحضير المحتوى واضحة تمامًا. الصوت، الأسلوب، السياق، الأمثلة، تنوع المحتوى، جميعها كانت رائعة! هذا ما نحتاجه حقًّا. بالنظر إلى ما قدمه هذا المدرب من تدريبات، ستجد أنها مركزة تمامًا على تخصص واحد واضح -جافا سكربت-.
هكذا جهود لن تخفي نفسها. حالما تتابع المحتوى ستدرك جهد المدرب المبذول، الذي لن يحتاج لأي أساليب تسويقية رخيصة. المحتوى سيسوق نفسه ويرفع صاحبه إلى مكانته التي يستحقها.
أساليب بعض منصات التدريب
ربما صادفت منصات التدريب التي كلما دخلت إليها وجدت إعلانًا لعرض مؤقت على كلفة التدريبات المدفوعة. لتلاحظ بعد فترة أن هذا الإعلان كلما انتهى عاد من جديد!
هو أحد أساليب جذب المشتركين، والذي تم اتباعه أيضًا -للأسف- من كثير من المدربين على هذه المنصات. حيث يتم نشر التدريب على أنه كان بسعر كبير -مثلًا 200$- لكن بسبب التخفيض المؤقت أصبح بسعر زهيد -20$ مثلًا-.
أحد الأساليب المتبعة أيضًا هو أن يقوم مقدم المحتوى بطرح التدريب بشكل مجاني لفترة محدودة -يوم غالبًا- لتمتلئ وسائل التواصل الاجتماعي بروابط تتحدث عن دورات تدريبية مدفوعة أُتِيحت بالمجّان لفترة محدودة. والهدف يكمن بجمع عدد كبير من منتسبي هذا التدريب كأسلوب تسويقي عند عرض معلومات التدريب لاحقًا.
المؤسف هو أن بعض هذه المنصات لا تقدم أسلوبًا واضحًا لتقييم الجودة. حيث يمكن لأيّ كان أن ينشر أيّ تدريب. لتواجه عددًا من التدريبات عديمة الفائدة.
بالمقابل هناك منصات عالمية تهتم بجودة المحتوى وغالبًا ما تكون مقدمة من مؤسسات عالمية عريقة. كمنصات: Coursera, Udacity, Edx.
لذلك من المهم معرفة أن كل منصة تدريبية -وإن كانت شهيرة ومدفوعة- ليس من الضرورة أن تقدم محتوى جيدًا مفيدًا.
وتذكر أن تحتفظ بحماسك الذي تبدأ به وألّا تُحبط، فربما يكمن الخلل بما تتلقى منه.
ما ذكرته لا يعني أن جميع التدريبات المتوفرة -خاصة العربية- غير جيدة. على العكس، هناك العديد من المقاطع المرئية الرائعة. لكن وجب تسليط الضوء قليلًا على المظاهر السلبية الشائعة بشكل كبير.